المقريزي
925
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وهلك بلاطس الوزير ، وقام من بعده في الوزارة كاهن يقال له أملاده ، فأمر بإفراد بني إسرائيل ناحية في البلد ، بحيث لا يختلط بهم غيرهم ، فأقطعوا موضعا في قبلي مدينة منف صاروا إليه ، وبنوا فيه معبدا كانوا يتلون به صحف إبراهيم ، عليه السّلام « 1 » . فخطب رجل من القبط بعض نسائهم ، فأبوا أن ينكحوه - وقد كان هويها - فأكبر القبط فعلهم ، وصاروا إلى الوزير ، وشكوا من بني إسرائيل ، وقالوا : هؤلاء قوم يعيبوننا ، ويرغبون عن مناكحتنا ، ولا نحبّ أن يجاورنا ما لم يدينوا بديننا . فقال لهم الوزير : قد علمتم إكرام طوطيس الملك لجدّهم ، ونهراوش من بعده ، وقد علمتم بركة يوسف ، حتى جعلتم قبره وسط النيل ، فأخصب جانبا مصر بمكانه . وأمرهم بالكفّ عن بني إسرائيل ؛ فأمسكوا ، إلى أن احتجب معدان وقام من بعده في الملك ابنه أكسامس - الذي يسمّيه بعضهم كاسم - بن معدان بن الرّيّان ابن الوليد بن دومع العمليقي ، وهو السّادس من فراعنة مصر ، وكان أوّلهم يقال له فرعان ، فصار ذلك اسما لكلّ من تجبّر وعلا أمره « 2 » . وطالت أيّام كاسم ، ومات وزير أبيه ، فأقام من بعده رجلا من بيت المملكة / يقال له طلما ابن قومس . وكان شجاعا ساحرا ، كاهنا كاتبا حكيما ، دهيّا متصرّفا في كلّ فنّ ، وكانت نفسه تنازعه الملك - ويقال إنّه من ولد أشمون الملك ، وقيل من ولد صا - فأحبّه الناس ، وعمّر الخراب ، وبنى مدنا من الجانبين ، ورأى في نجومه أنّه سيكون حدث وشدّة « 3 » . وشكا القبط إليه من الإسرائيليين ، فقال : « هم عبيدكم » . فكان القبطي إذا أراد حاجة ، سخّر الإسرائيلي وضربه ، فلا يغير عليه أحد ولا ينكر عليه ذلك ، فإن ضرب الإسرائيليّ أحدا من القبط قتل ألبتّة ، وكذلك كانت تفعل نساء القبط بالنساء الإسرائيليات . فكانت أوّل شدّة وذلّ أصاب بني إسرائيل ، وكثر ظلمهم وأذاهم من القبط « 4 » . واستبدّ الوزير طلما بأمر البلد ، كما كان العزيز مع نهراوش ، وتوفي أكسامس الملك ، فاتّهم طلما بأنّه سمّه ، فركب في سلاحه ، وأقام لا طس الملك مكان أبيه . وكان ابنه جريئا معجبا ، فصرف طلما بن قومس عمّا كان عليه من خلافته ، واستخلف رجلا يقال له « لاهوق » من ولد صا ، وأنفذ طلما عاملا على الصّعيد ، وسيّر معه جماعة من الإسرائيليين ، وزاد تجبّره وعتوّه ، وأمر
--> ( 1 ) النويري : نهاية الأرب 15 : 130 . ( 2 ) نفسه 15 : 130 - 132 ؛ وفيما تقدم 1 : 363 . ( 3 ) نفسه 15 : 133 . ( 4 ) نفسه 15 : 133 ؛ التوراة ، سفر الخروج 1 / 13 - 14 .